أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
198
شرح مقامات الحريري
الترديد ، ثم ابتدع في البيت الثاني ما ليس لأحد مثله . أبو تمام : لا أعلم أحدا أحسن صنعة في الترديد من زهير في قوله : [ البسيط ] من يلق يوما على علّاته هرما * يلق السّماحة منه والنّدى خلقا « 1 » الحاتمي : وأحسن الخليع الباهلي في الترديد بقوله : [ الطويل ] لقد ملأت عيني بحسن محاسن * ملأن فؤادي لوعة وهموما التجريد وهو أن يجرّد الشاعر موصوفه من صفته ، ويسندها لأجنبي في الظاهر ، وهو يريد الأول في المعنى ، مثل قول الأعشى : [ المنسرح ] يا خير من يركب المطيّ ولا * يشرب كأسا بكفّ من بخلا « 2 » فظاهره أنه لا يشرب كأسا بكفّ رجل ينسب إلى البخل إنما يشربها بكف كريم ، وذلك الكريم هو الممدوح في المعنى ، فجرّده في الظاهر ، وهو يريد بكفّ بخيل من نفسه . وأبو عليّ الفارسي اختار لهذه الصنعة اسم التجريد ، ومنه قول طرفة : [ الرمل ] جازت البيد إلى أرحلنا * آخر الليل بيعفور حذر « 3 » يعني بيعفور حذر ، من نفسها . وقال الأخطل : [ الطويل ] ربيع حيا ما يستقلّ بحمله * سئوم ولا مستنكش البحر ناضبه أي ما يستقل بحمله سئوم من نفسه ، أي ليس بملول ، وقال النابغة . [ الكامل ] لم يحرموا حسن الغذاء وأمّهم * طفحت عليك بتائق مذكار « 4 » ومما يتعلق بنوع من التجريد قول امرئ القيس : [ السريع ] « على لاحب لا يهتدي بمناره » « 5 »
--> ( 1 ) البيت لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص 53 ، والإنصاف 1 / 68 ، وخزانة الأدب 2 / 335 ، وسر صناعة الإعراب 2 / 831 ، وبلا نسبة في المقتضب 4 / 103 . ( 2 ) البيت في ديوان الأعشى ص 225 . ( 3 ) البيت لطرفة في ديوانه ص 50 ، ولسان العرب ( خدر ) ، ( عفر ) ، ( رحل ) ، وتهذيب اللغة 7 / 265 ، ومقاييس اللغة 2 / 160 ، 4 / 372 ، ومجمل اللغة 2 / 163 ، وديوان الأدب 2 / 232 ، وكتاب العين 2 / 342 . ويروى « خدر » بدل « حذر » . ( 4 ) البيت للنابغة الذبياني في ديوانه ص 58 ، ولسان العرب ( دحق ) ، ( نتق ) ، وتهذيب اللغة 4 / 35 ، وكتاب العين 3 / 42 ، وأساس البلاغة ( طفح ) ، وتاج العروس ( نتق ) ، وبلا نسبة في مقاييس اللغة 5 / 387 ، والمخصص 4 / 30 ، ويروى « بناتق » بدل « بتائق » . ( 5 ) عجزه : إذا سافه العود الديافيّ جرجرا -